الثعالبي

54

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وقوله تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله . . . ) الآية : قال ابن عباس وغيره : سبب نزولها محاجة نصارى نجران في أمر عيسى ، وقولهم : يا محمد ، هل رأيت بشرا قط من غير فحل ، أو سمعت به ، ومعنى الآية أن المثل الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم ، إذ الناس مجمعون على أن الله تعالى خلقه من تراب من غير فحل ، وفي هذه الآية صحة القياس . وقوله تعالى : ( ثم قال ) ترتيب للأخبار لمحمد صلى الله عليه وسلم ، المعنى : خلقه من تراب ، ثم كان من أمره في الأزل أن قال له : كن وقت كذا . وقوله تعالى : ( الحق من ربك ) ، أي : هذا هو الحق ، و ( الممترين ) : هم الشاكون ، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم في عبارة اقتضت ذم الممترين ، وهذا يدل على أن المراد بالامتراء غيره ونهي عن الامتراء ، مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله . وقوله تعالى : ( فمن حاجك فيه ) ، أي : في عيسى ، ويحتمل في الحق ، والعلم الذي أشير إليه بالمجئ هو ما تضمنته هذه الآيات المتقدمة . وقوله : ( فقل تعالوا ) : استدعاء للمباهلة ، و ( تعالوا ) : تفاعلوا ، من العلو ، وهي كلمة قصد بها أولا تحسين الأدب مع المدعو ، ثم اطردت ، حتى يقولها الإنسان لعدوه ، وللبهيمة ، و ( نبتهل ) : معناه : نلتعن ، ويقال : عليهم بهلة الله ، والابتهال : الجد في الدعاء بالبهلة ، روى محمد بن جعفر بن الزبير وغيره : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما دعا نصارى نجران إلى المباهلة ، قالوا : دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتك بما نفعل ، فذهبوا إلى العاقب ، وهو ذو رأيهم ، فقالوا : يا عبد المسيح ، ما ترى ، فقال : يا معشر النصارى ، والله ، لقد عرفتم أن محمدا النبي المرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم قط نبيا ، فبقي كبيرهم ، ولا نبت / صغيرهم ، وأنه الاستئصال إن فعلتم ، فإن أبيتم إلا إلف دينكم وما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا الرجل ،